القرفصاء

تجلس القرفصاء ، و هي تفكر في غربتها الضيقة التي فرضها الطموح و الحلم بمستقبل علمي مزهر ، و الذي عزز هذا الفرض هو وضعها العلمي بعيداً عن كل ما هو جميل في حياتها ، و معنى الجمال في قاموسها هو إنسان محب صادق النية ، واثق الكلمة اعتادت أن تراه صباح كل يوم في حيها القديم عندما كانت تذهب إلى المدرسة الثانوية قبل ثلاث سنين.

القرفصاء هي كل ما تملك ألان، بعد أن كانت تملك حضن أمها الحنون … و تملك أيضا شيئاً أخر، هو أنا، فقد كانت تملكني مثل ما يملك البحر هيبته، و كما تملك السماء زرقتها. هذا ما تشعر به ألان أكثر من أي وقت مضى… بسبب القرفصاء.

قامت من قرفصاءيتها لتجلس أمام جهاز الكمبيوتر ، ليس لإعداد بحث أدبي جديد في قواعد اللغة الانجليزية كما اعتادت في كل مرة ، و لا لسبر أغوار الشبكة العظيمة ، و لا لتبحث عن صديق جديد من حيها القديم لتنشده عن وطنها و أهلها وحيها ، بل لتفتح صندوقها المليء بغبار الشبكة العظيمة ، فبالرغم من ملايين الرسائل التي ترسل هنا و هناك يومياً ، إلا انه لا يوجد حتى رسالة دعائية واحدة ظلت الطريق إلى بريدها ، إلا رسالتي هذه التي تقرأها الآن و قلبها يذوب بين عباراتها ، و دموعها تمسح كلماتها محاولة غسلها من دنس المجاملات التي اعتاد المحبين أن يتبادلانها في رسائلهم الغرامية أثناء فترة حبهم العذري ، لتتأكد بأن عباراتي و كلماتي لا تزال تدغدغ قلبها بنفس الحب و الصدق الذي اعتادت عليه. لا ياسيدتي ، إن محاولاتك لمحو معاني كلمات رسالتي هذه ستبوء بالفشل المؤزر ، لأنني لا زلت الإنسان المحب ، و الإنسان الصادق في النية الذي اعتدتي أن ترسليه إلى أخر العالم و تعيديه ألف مرة بابتسامتك الفطرية كل صباح عندما كنتي تذهبين إلى المدرسة. فأنا لا أزال أنا ، و حبي لك لا يزال هو حبي لك ، وكلماتي التي تصفك لا تزال هي كلماتي التي تصفك ، و حياتي لا تزال هي حياتي ، إلا أن المدرسة لم تعد المدرسة ، لأن الجهل قد احتل جميع صفوفها الدراسية ، بعد إن ارتحل العلم بعيداً عنها وعنا ليبني لنا علماً جديداً ، فأنت يا سيدتي العلم كله ، بل علوم الدنيا مجتمعة في عقل واحد ، هذا العقل الذي يقدس علم الحب و الجمال الذي افتقدته المدرسة ، و الحي … و أنا.

بالله ياسيدتي لا تسألينني الكثير عني ، فلم اسمح لنفسي أن أكون إنسانا بعد أن فقدت إنسانيتك عليّ قبل ثلاث سنين ، و لم اسمح لشفتي بالابتسام لأحد منذ أخر بسمة كانت بسببك قبل ثلاث سنين ، ولم اسمح لأذني أن تطربا بعد أخر طرب بسبب كلماتك قبل ثلاث سنين عندما قلتي: “سأشتاق للباقتك … و لتفكيرك المبدع″ قبل أن تردفي بكلمة “وداعاً”. لكنني بالمقابل سمحت لشيء مهم أن يستمر كما كان سابقاً .. ألا وهو جلسة القرفصاء .. التي أخفقت في التنازل عنها ، فأنت بلا شك لا تزالي تذكرين عندما كنا نجلس القرفصاء سوياً قبل ثلاث سنين في أطراف حينا القديم. لقد كانت عادة سرنا عليها سوياً ، و لكنها الآن أصبحت احد الطقوس التي لا أزال أمارسها بانتظام.

سيدتي… بقي من الزمن اقل من ربيع واحد، ونجلس القرفصاء مرة أخرى في أطراف حينا القديم ، بعد أن نتوّج حبنا بالرباط الشرعي المتعارف عليه ، ونبدأ حياة جديدة في بناء أسرتنا … و سنعلم أطفالنا …. كيف يجلسون القرفصاء.

أكتب تعليقاً


- Check Google Page Rank