حضانة البرمجيات العربية (2)
إستطراداً لحديثنا في الإسبوع الفائت حول صناعة البرمجيات العربية التي لا تزال تعيش فترة حضانة بسبب ما تواجهه من معوقات كثيرة، وسنكمل الحديث حول هذا الموضوع بإسهاب للخروج بفكرة واضحة في هذا الجانب المهم و الذي سندرك مدى اهميتة في المستقبل القريب. إن من بين المعوقات التي تواجه الشركات في تطوير البرمجيات العربية:
2- بناء وتكوين أنظمة التشغيل التي تعمل عليها اجهزة الحاسوب – مثل الويندوز على سبيل المثال – المعقد و المجهول جعل تلك الشركات العربية تصطدم بواقع مرير كان السبب الأول في قصور انتشار البرامج العربية. و لفهم هذه النقطة بشكل ادق يجب فهم تكوين نظام التشغيل. فنظام التشغيل مبني على لغة برمجية تحتوي على المئات الألاف من الاوامر المعقدة والتي يجب ان يعلم اسرارها المبرمج اثناء تصميمه لبرنامج معين لأن نظام التشغيل برمته يحتاج الى تحليل مفصل حتى نفهم تكوينه و نجعل برامجنا تعمل على بيئة سليمة برمجياً. و أنا اعترف بمدى صعوبة هذه العملية، بل حتى الشركات المصممة و المنتجة لأنظمة التشغيل تواجه مشاكل حقيقية اثناء ترجمة برامجها من اللغة الانجليزية الى اللغات العالمية الأخرى ، و ما يعزز هذا القول ان بعض الشركات المنتجة لأنظمة التشغيل لم تتمكن حتى الأن من اصدار نسخ باللغة العربية لأنظمتها ، بل ان البعض لا يتجه لتهيئة نظام التشغيل لإستقبال برمجيات باللغة العربية أصلاً. اذن هي مشكلة حقيقية تواجهها الشركات العربية. و من الطبيعي ان لا يمكن للشركات العربية التأقلم مع هذه المشكلة ، وقد ثبت لي ذلك عندما ذكر احد الاخوة الاعزاء في مقر العمل انه يعاني مشكلة في تنصيب احد البرامج العربية التي انتقاها من معرض الكتاب الاخير و المقام هذا العام 2005 في مسقط ، وعند دراسة المشكلة وجدت ان البرنامج يقوم بتنصيب نفسه في الجهاز بشكل طبيعي جداً حسب الظاهر امام المستخدم، لكن في الحقيقة فإنه يقوم ببعثرة الملفات الخاصة به في اماكن متفرقة من الجهاز ، لذا فإنه لا يظهر في قائمة البرامج إطلاقاً مما اضطرني لحل المشكلة يدوياً بعد فشل البرنامج من تشغيل نفسه. وعندما نجد أن هذا البرنامج يعاني من هذه المشاكل ونحن في العام 2005، إذن متى سنتمكن من حل هذه الأخطاء؟ و بالتالي متى سنقف في صف مطوري البرامج؟ ام ان الافكار الفلكلورية تبعدنا عن تخيل انفسنا ان نكون في هذا الصف؟
3- بعد المشكلة التي تم ذكرها سابقاً وخصوصاً المشكلة رقم واحد ترتب على الشركات المنتجة للبرمجيات العربية ان تنفق الكثير من الاموال لإنتاج و تطوير برامجها وخصوصاً انها تعتمد على خبرات اجنبية مكلفة جداً وبالتالي فإن سعر المنتج يصبح مرتفعاً ايضاً لتعويض ما تم انفاقه، و عندما طرحت برامجها في السوق العربية ظهرت لها الكثير من المشاكل من ابرزها المشكلة رقم اثنين و التي تطرقت إليها سابقاً ، عند ذلك بدأ يتصور للشركات بأن السوق العربية شبح اسود يلتهم رؤوس اموالها دون ان يحقق العوائد المرجوة ، فصار هناك انفاق دون عائد ، و بطبيعة الحال فإن ايقاف المشاريع التي تسبب مثل هذه الازمات المالية يكون افضل الحلول التي سيتم اعتمادها.
4- مشكلة اخرى و اجهتها صناعة البرمجيات العربية الا و هي الداعميين الماليين لهذه المشاريع ، خصوصاً بعد انسحاب عدد كبير من الشركات عن هذه الصناعة، و الأفكار الفلكلورية التي يتمتع بها الإنسان العربي تبعده كل البعد عن فكرة دعم صناعة البرمجيات العربية، مما ساهم في تفاقم المشكلة
5- من المشاكل الاخرى التي واجهتها صناعة البرمجيات العربية هو حماية حقوق الملكية الفكرية ، فجميع الدول العربية تقريباً لم تكن تحترم القوانين و المواثيق الدولية المنظمة لحقوق الملكية الفكرية ، الامر الذي ساهم بشكل كبير في غياب الحقوق الفكرية و المادية للشركات المصنعة للبرامج العربية ، مع العلم ان بعض منها حاول استخدام طرق كثيرة لحماية حقوقه ربما كان اشهرها استخدام “الدنجل” و هو قطعة معدنية يتم تركيبها في خلف جهاز الحاسب الآلي ، و بدونها لا يمكن تشغيل البرنامج مما يضمن عدم عمله في حالة نسخه واستخدامه بطرق غير مشروعة ، لكن بعد فترة من الوقت تم استبعاد تلك الفكرة لأنها سببت في ارتفاع اسعار البرمجيات – المرتفعة اصلاً – و ايضاً تعارض تلك القطعة المعدنية احياناً للعمل على بعض اجهزة الحاسب الآلي بالاضافة الى انها طريقة بدائية جداً كانت تستخدم في بداية ظهور برامج الحاسوب – كفانا فلكلور ياعرب.
6- مشكلة جديدة و اجهت تطور و نمو صناعة البرمجيات العربية – و انا اعتبرها ردة فعل طبيعية – فبعد الاخفاقات الكبيرة التي منيت بها الشركات العربية لصناعة البرمجيات المناسبة للمستخدم العربي توجهت الى العمل في بيئة اخرى تتميز بالتكلفة المالية القليلة مما يساهم في استمرار بقاء تلك الشركات ، و افضل خيار لها كانت الشبكة العنكبوتية العالمية “الإنترنت” فضهورها كانت القشة التي قصمت ظهر البعير. فمن المعروف جداً ان شبكة الانترنت من اقل المشاريع تكلفة على وجه الأرض، كما انها تتمتع بالجاهزية على مدار 24 ساعة و مفتوحة للعالم من اوسع ابوابه مما يساعد بشكل كبير للوصول الى اكبر عدد من المستخدمين – سأتحدث عن دور الانترنت بشكل مفصل في مقال اخر – ومن هذه الشركات: شركة اين ، مكتوب ، عجيب… الخ. و بطبيعة الحال فإن ذلك سينعكس سلباً على استمرار الشركات في تصميم و تطوير البرامج العربية.
سنكتفي بهذا القدر في هذا الإسبوع متمنياً ان اكون قد وضحت ابرز المعوقات التي تواجه صناعة البرمجيات العربية ، لنلتقي في الإسبوع القادم و نطرح الحلول التي نعتقد انها الناجعة على ضوء المعطيات الحالية التي نراها في هذا البحث.