تحدثنا في الإسبوع الفائت عن الحكومة الإلكترونية، ولمسنا جميعنا الأهمية البالغة للسير في تطبيقها لنواكب الطفرة الكبيرة في تقنية المعلومات التي تتسابق إليها دول العالم في سباق مكوكي. إلا ان التوجه الى انشاء حكومة إلكترونية مغمور بالكثير من التحديات الإدارية والفنية والتقنية ومن الواجب على السلطات الحكومية الوعي بجميع تلك التحديات لتحقيق النجاح المطلوب في ذلك، وهنا سأطرح رؤوس اقلام حول هذا الموضوع. للوصول الى بناء تقنية واداري وقانوني صحيح لبناء الحكومة الإلكترونية يأتي أولاً من اقتناع القائميين على حكومات دول العالم بالأهمية الحقيقية للبدأ في بناء تلك الحكومة، ولا يكون ذلك الإقتناع من فراغ بل من خلال الدراسات والبحوث والمقترحات والتوصيات التي ترفعها اللجنة التي سيتم اعدادها وتشكيلها لهذا الاختصاص فقط للعمل في هذا المشروع على ان تتكون هذه اللجنة من عناصر متعددة ة ومكتملة تمثل القاعدة الرئيسية لهذا المشروع كالجهات الأمنية والعسكرية والمالية والقانونية والخدمية وكل من تعتقد تلك اللجنة وجوب مشاركته، على ان تناقش تلك اللجنة تجارب الدول المتقدمة الأخرى في هذا المجال ومناقشة الصعوبات التي تواجهها من كافة النواحي حسب اختصاص كل فرد من تلك العناصر التي تشكل اللجنة. وللأسف فإن حكومات الدول العربية – بشكل عام – لا تعي أهمية هذا الجانب ابدا، وكل ما نراه هومحاولات خجولة للسير في هذا النهج معتقدة انه الشيء الصحيح إلا انه في الحقيقة فإنها تغرد خارج السرب مقارنة مع ما يشهده العالم من انفجار تقني، والذي يعزز هذا القول كبار الشركات المنتجة للبرمجيات والتي يتم الاعتماد عليها في بناء حكومات دول العالم تواجه هذه المشكلة اثناء عملية التفاوض مع اي حكومة، فأثناء لقائي بالمدير الإقليمي لإحدى الشركات العالمية المتخصصة في بناء التطبيقات اللازمة للحكومات الإلكترونية على هامش احد الندوات حول الحكومة الإلكترونية سألته عن مدى تقبل حكومات دول المنطقة للتوجه الى بناء حكومة إلكترونية نظر إلي مبتسماً ثم قال: (نتمنى ان نعمل معهم في المستقبل). ثم اردف قائلاً: (دعهم يقتنعون بذلك أولاً فهذه أول حاجز امامنا وامامهم). اما اذا تحدثنا على المستوى المحلي فسنجد توجهاً رائعاً من حكومة السلطنة للبدأ في بناء حكومتها الإلكترونية لقناعتها التامة بأهمية ذلك، إلا أن السير في هذا الطريق يواجه بعض الصعوبات الإدارية والفنية – كالعادة – التي تؤدي في النهاية الى التأخر في بلوغ قمة الهرم، وبذلك سنهدر الكثير من المال والوقت. ومن خلال البحث الذي قمت بإعداده فإننا نلخص هنا بعض المعوقات الهامة التي يتعرض إليه البناء المفترض لحكومتنا الإلكترونية، ويجب النظر إليها بشكل جاد لندفع عجلة التنمية الإلكترونية الى الأمام.

1- لا تزال هناك بعض الوحدات الحكومية وإن كان عددها محدوداً تفتقر الى مركز
نظم المعلومات الذي يعنى بتقنية المعلومات في تلك الوحدات ويكون الإعتماد الكامل بالتعاقد مع شركات القطاع الخاص لتهتم بها تقنياً، وربما فإن هذه النقطة لا تمثل ادنى اهمية إلا ان الواقع سيروي قصة اخرى في المستقبل، لأن الإستمرار في التعاقد مع شركات القطاع الخاص يحمل في جعبته الكثير من التعقيدات، فضلاً على انه عند انتهاء التعاقد ستكتشف تلك الوحدات حجم المشكلة الواقعة لعدم وجود من يدير دفة التقنية فيها. اما من جانب اخر فإنه يعطي إنطباعاً بوجود من هم لا يستوعبون ما هية الحكومة الإلكترونية.

2- تواجه بعض مراكز المعلومات إشكاليات إدارية مالية تعيقها من العمل على اكمل
وجه، فمن الناحية الإدارية نجد انها غير مستقلة في مهام عملها، فربما تبعيتها تكون الى مديرية عامة غير متخصصة بتقنية المعلومات يرأسها من هومتخصص في الإدارة اوتنمية الموارد البشرية. ومن النواحي المالية نجد ان الجهات المالية تحتاج الى مبررات مقنعة لصرف الإعتمادات المالية لتلك المراكز التقنية والمشكلة تقع ان كان المسؤول عن تلك الجهات المالية غير مقتنع بالدور الذي تقوم به المراكز التقنية.

3- في بعض الوحدات الحكومية يتم تعيين القائميين على مراكز التقنية بناءاً على معايير ومعطيات بعيدة كل البعد عن المعايير التقنية الصحيحة، ولا توجد لوائح أوإشتراطات منظمة حول تعيين الموظفين التقنيين القائمين على تلك المراكز الأمر الذي قد يدعوالمسؤول المباشر لإختيار احد الموظفين ليكون رئيساً لنظم المعلومات لمجرد حصوله على شهادة جامعية في احد تخصصات الحاسب الآلي، أولأسباب اخرى يراها المسؤول المباشر مقنعة لذلك، فلا تستغرب عزيزي القارئ إن اصبح زميلك في العمل المكلف بأعمال الإدارة أوالطباعة اصبح يحمل على عاتقة رسم الإستراتيجية التقنية في مقر عملك، بل اننا نعايش هذا الواقع الأن!! لذا نتمنى من قانون الخدمة المدنية المرتقب أن يعالج هذه المسألة الهامة لأن القائم على مركز نظم المعلومات في أي مؤسسة في العالم يجب ان يتحلى بمواصفات تساعده في اداء مهام عمله بنجاح منها الإدراك الواسع للدور المهم الذي سيقوم به، الإطلاع ومتابعة أخبار التقنية على مستوى العالم، تقديم الدراسات الإستراتيجة والتقنية للنهوض تقنياً بالجهة التي يعمل بها، المقدرة الفائقة في التفاوض والحوار مع الجهات التقنية الأخرى سواءاً المحلية أوالأجنبية لتحقيق الأهداف التي تسعى إليها المؤسسة، تقديم دراسات إستراتيجية زمنية عن المشاريع المقترح إقامتها في المؤسسة التي يعمل بها على المستوى البعيد بناءاً على إحتياج المؤسسة وبناءاً على ما يدور على المستوى العالمي، تقديم دراسات مالية دقيقة حول الخطط الإستراتيجية الزمنية التي يقوم بتنفيذها مركز نظم المعلومات، الجاهزية الجيدة لتمثيل الجهة التي يعمل بها في المحافل التقنبة المحلية والدولية، المقدرة على التحدث بلغات اجنبية أقلها اللغة الإنجليزية لسهولة تبادل المعلومات التقنية والتفاوض مع الجهات الأجنبية الأخرى أوعلى أقل تقدير التمثيل امام الجهات الأجنبية. كما يجب على المسؤولين في الوحدات الحكومية الإدراك بأن وظيفة (رئيس مركز نظم المعلومات) ليست مجردوظيفة إدارية قيادية يمكن ان يتولى زمام امورها اي موظف خريج في مجال الحاسب الآلي، بل هي اكبر من ذلك بكثير بناءاً على ما ذكرنا سابقاً، ولا يدرك عواقبها الوخيمة إلا المسؤول الذي ينظر الى الغد وليس الأن.

الكثير من النقاط التي يمكن طرحها للنقاش حول الصعوبات التي تواجه بناء الحكومة الإلكترونية إلا ان المساحة المخصصة لنا لا تسمح بالمزيد، وقد حاولت جاهداً في تقديم ابرز تلك النقاط التي يجب الوقوف عندها بشئ من الجدية حتى نحقق القدر الجيد في ذلك البناء، ولكي نبني إجابة واضحة على السؤال: هل حكوماتنا العربية إلكترونية؟