قتلة النخبة، لن يقتل تاريخنا

في سابقة غير متوقعة – على الأقل بالنسبة لنا كعمانيين – طرحت هوليود فيلمها الأخير (Killer Elite) والذي تقع احداثه في ولاية مرباط بسلطنة عمان على حسب ما ذكر مؤلف الفلم وكاتب السيناريو/ مات شيرينج. الفلم من بطولة الممثل الهوليودي الكبير/ جيسون ستاثام المعروف بإحترافيته الشديدة في أفلام القتل وسفك الدماء. وكعادتها في إبهار العالم، فقد أتقتنت شركة Palomar Pictures في إنتاج و إخراج الفلم مستخدمة فيه أحدث وسائل التقنية الحديثة المعروفة للخروج بفلم ناجح بكل المقاييس العالمية، فمبلغ 70 مليون دولار امريكي كفيلة الوصول بالفيلم الى هذا المستوى المتقدم.

حظى هذا الفلم بموجة هستيرية من الإهتمام إجتاحت المنتديات والمواقع العمانية بدون إستثناء، فقد اصيب رواد تلك المواقع بجنون الفخر والإعتزاز على ما قدمته هوليود لسلطنة عمان و للتاريخ العماني وللثقافة العمانية وإبرازها للعالم على حد ما يتداول فيما بينهم، وأعتبر ما حدث نقطة تغيير لتظاريس سلطنة عمان على خارطة الثقافة الأجنبية، ونظر بعض الإخوة العمانيين المقيمين في الخارج ان فيلم ” نخبة القتلة” هو النافذة السحرية للتعريف عن سلطنة عمان وشعبها وثقافتها، وقد ذكر بعظهم حجم الفخر الذي شعروا به بعد خروجهم من صالات العرض في بريطانيا، عندما يسمعون إسم عمان يتردد على أفواه من حضر الفيلم. جميع تلك الأسباب واخرى كثيرة اصابتني بنفس عدوى الهستيريا كبقية الناس وغازلتني من أجل حضور الفلم، وهذا ما فعلت.
تبدأ احداث الفيلم بمشهد إفتتاحي مثير للبطل يعطي المشاهد فكرة عن حياة هذا القاتل المأجور من خلال تنفيذه عملية إغتيال وبسببها يصحو ضميره ويقرر الإعتزال بعدها، إلا أن الشيخ عامر بن عيسى العربي العماني لم يعطه المجال عندما خطف أعز أصدقاءه وإشترط عليه تنفيذ عمليات اغتيال في حق عملاء المخابرات البريطانية الذين يعملون في سلطنة عمان خلال تلك الفترة الزمنية لقتلهم ثلاثة من ابناءه، في مقابل الحريه لصديقه وستة ملايين دولار أمريكي. وتظهر روعة الفلم في إخراجه وإنتاجه المتقن، علماً بأن احداث الفيلم تنتقل بين سلطنة عمان، بريطانيا و فرنسا.

“حبكة” هذا الفيلم في تقييمي تأتي إستكمالاً لحبكة الكتاب المثيرة للجدل (The Feather Men) أو “رجال الريشة” لمؤلفه البريطاني/ رانلف فينس الذي يؤرخ فيه مجموعة من جرائم الإغتيالات التي تمت بأوامر من شيخ عربي عماني ضد مجموعة من عملاء المخابرات البريطانية المتواجدين في المنطقة والتابعين لسلاح الجو البريطاني التي كانت مهمتهم الأساسية تنفيذ إغتيالات سياسية. طبعاً الكتاب يحمل وجهة نظر مؤلفه والتي لا يعرف اساساً إن كانت تلك الأحداث حقيقة واقعة ام هي مجرد أفكار تجارية لجني مبلغ من المال مستغلاً تواجده ومعرفته بالمنطقة خلال تلك الفترة. بالنسبة لي كمشاهد فلا تثيرني تلك النقطة كثيراً إذا كنت انظر الى الفلم من الجانب الفني. لكن بالنسبة لي كعماني فيجب ان اقف أكثر من مرة لأحداث الفيلم، والصورة المزرية التي صورها المؤلف والمخرج عن ثقافتي العربية المسلمة الاصيلة، وتاريخي العماني الذي نجده موثقاً بتفاصيله في كتب التاريخ.

كما هي العادة الهوليودية، فقد صورت المنطقة العربية صحراء قاحلة ليس بها سوى الرمل، البحر، عقود النفط وحقائب متخمة بالمال وذلك واضحاً بشكل جلي عندما نشاهد الأوروبي يداعب اصدقاءه في محاولة للهبوط بطائرة هيلوكابتر فوق رؤوسهم اثناء لعبهم على شاطيء البحر في مسقط التي ليس بها سوى رمل وشاطيء بحري ملأه الناس بالفوضى والقذارة. مشهد الهبوط يحمل مؤشرات التعالي للإنسان الأوروبي الذي تعمد منتجو الفلم إظهاره قياساً على العرب الذين يدبون على الأرض كدبيب النمل وهم في فقر واضح. حتى المنازل التي يعيش فيها الأوربي في مسقط تختلف تماماً عن كل المنازل التي ظهرت في الفلم في رسالة واضحة على المستوى الراقي والرفيع الذي يعيش فيه الإنسان الاوروبي مقارنة بالإنسان العربي حتى في عقر دار الأخير. وفي الوقت الذي اظهر فيه المؤلف بطل الفلم المرتزق نخوته وشهامته وموافقته على تنفيذ المهمة من أجل الإفراج عن صديقه العزيز، صور المؤلف الشيخ العربي العماني بشخصية متعجرفة ومتعطشة للدماء، وبالجبن ايضاً عندما إعتمد على الأوروبي في تنفيذ الثأر لمقتل أبناءه، وكل ما يملك ذلك الشيخ هو جيوب متخمة بمال النفط العربي. علماً بأنه معروفاً في جميع ثقافات العالم أن الثأر لا يكون إلا بأيدي أهل القتيل. بل أن العرب يتفاخرون عند اخذ ثأرهم بأيديهم. لكن هنا، ارادنا الأوروبي أن نظهر عاجزين ومكتوفي الأيدي لا نقوى على الحراك بدونه وكأنه خلق لرعاية البشرية وحل مشاكلها تماما كما هي السياسة الأمريكية التي تلعب دور شرطي العالم.

لم يكتف المؤلف بذلك، بل عكس صورة العرب عند سفرهم للخارج، حيث تتحول إهتماماتهم – ان كانت هناك اي منها – الى الإهتمام بالجنس وشرب الكحول لا أكثر، من خلال المشهد الذي ظهر فيه ابن الشيخ العماني اثناء وصوله الى إحدى الدول الأوروبية وفي استقباله فتاتين، وليطمئن المخرج من وصول الرسالة القذرة التي اراد تمريرها عن الشخصية العربية في الخارج ظهر في المشهد إبن الشيخ وهو يتحسس مؤخرة إحدى الفتيات بطريقة لا تتلائم نهائياً مع عاداتنا و تقالدينا العربية والإسلامية، إلا أن المخرج له كلمة أخرى.

تاريخياً، هذا الفلم هو أول فلم عالمي يحكي أحداث وقعت في سلطنة عمان، وليتهم لم يفعلوا، وليت كل العالم لم يعرف عمان وأهل عمان اذا كانوا سيعرفوننا بهذة الصورة. فمن لم يسمع عن عمان و أهل عمان – وهم كثر – اصبح يعرفهم الأن بأنه شعب اخرق، سطحي، غبي، جبان، شهواني للنساء، نعيش تحت ظلال مصفاة النفط ونفترش الرمل. لماذا لم يصور هذا المخرج أخطبوط الإمبراطورية العمانية الممتدة أذرعه من اقصى الشرق الى أقصى الغرب؟ لماذا لم يخلق المؤلف قصة من كتب المستشرقين الغربيين من أمثال جابريل فران وتيودور أو المستشرق البرتغالي كتانهيدا الذي تحدث عن ابن ماجد عندما كان ربان سفينة فاسكو دا جاما وقائد الرحلة إلى مالندي؟ لماذا لا تعترف هوليود بإنتصارات العمانيين والعرب السياسية والعسكرية التي وقعت في حقبة الإمبراطورية العمانية الظاربة من ميناء كانتون الصيني الى ميناء نيويوك عندما كنا أول سفراء عرب الى أمريكا. لماذا لا يتحدث المؤلف عن الإنسان العماني الذي طارد البرتغاليين كالجرذان في الخليج العربي و المحيط الهندي؟ أم أن كبرياء الاوربي لا يسمح له بذلك؟ إذا كان كذلك فإسمح لي سيدي الأوروبي بأن اذكرك ان تاريخك قد خُلق في أخر مائة عام كأقصى تقدير، لكن تاريخ الإنسان العماني موجود منذ أكثر من ألف عام، وهو هوليوديتنا الحقيقية.

إذا اعجبتك التدوينة ، فلا تنسى مشاركتها مع أصدقائك :